فخر الدين الرازي
300
المطالب العالية من العلم الإلهي
العالم فلا معنى له إلا إضافة قدرته إلى هذا الايجاد المعين المخصوص ، فالزائل ليس إلا هذه الإضافة ، وذلك غير ممتنع . فنقول : هذا العذر مدفوع من وجهين : الأول : إن الدليل الذي ذكرتموه ، يتناول كل ما كان أزليا ، سواء كان صفة حقيقية ، أو أمرا إضافيا . ولما كان الدليل عالما ، وقد توجه النقض عليه ، فقد لزم الإشكال . الثاني : وهو أن غاية كلامكم : أن هذا الذي زال ، ليس إلا مجرد إضافة ونسبة ، وكذلك السكون الذي زال ، لا حقيقة له إلا مجرد إضافة ونسبة . لأنكم فسرتم السكون بمجرد « 1 » كونه حاصلا في الحيز المعين على سبيل الدوام . والحصول في الحيز المعين لا معنى له إلا إضافة مخصوصة ، ونسبة مخصوصة . عرضت فذات الجسم بالنسبة إلى ذلك الحيز . فيثبت : أن هذا السكون لا حقيقة له إلّا محض الإضافة والنسبة . وتعلق قدرة اللّه [ تعالى « 2 » ] بإيجاد هذا العالم أيضا : نسبة مخصوصة ، وإضافة مخصوصة . فإن امتنع العدم على النسبة الأزلية ، والإضافة الأزلية ، وجب أن يكون الكل كذلك . وإن لم يمتنع ذلك في بعض الصور ، وجب أن يكون في الكل كذلك . فأما تجويزه في بعض الصور دون البعض ففاسد . السؤال الثالث : وهو أنه تعالى مؤثر في وجود هذا العالم ، فتأثيره فيه ، إما أن يكون على سبيل الإيجاد الذاتي ، وإما أن يكون على سبيل الصحة . فإن كان الأول ، لزم من دوام ذات اللّه تعالى ، دوام العالم . وإن كان الثاني فنقول : المؤثر على سبيل الصحة هو الذي يكون قادرا على الفعل والترك . لأنه لو صح منه الفعل ، ولم يصح منه الترك ، فحينئذ يخرج عن كونه قادرا ، ويصير موجبا بالذات . وكل من كان قادرا على الفعل والترك ، وجب أن يكون الترك
--> ( 1 ) المجرد ( ت ) ( 2 ) من ( ت )